
أقفُ الآنٓ وأنظرُ للغةِ مِنْ زاويةٍ أخرى غيرٓ الزاويةِ التي أرى منها بأنّٓ المحافظةٓ على اللغةِ أمرٌ ضروريٌ، حيث أنّ حفظٓها هو عمليةٌ تفاعليةٌ بين أمرين يؤدي حفظُ أحدِهما إلى حفظِ الآخرِ، فالحفاظُ على اللغةِ يؤدي إلى الحفاظِ على كتابِ اللهِ إنْ كانت الوجهةُ إلى ذلك، وحفظُ كتابِ اللهِ وفهمُه الفهمٓ الصحيحٓ وتأملُ مافيه ينعكسُ على لغةِ حافظِه إيجابًا.
إنّ الزاويةٓ التي أنظرُ للغةِ منها الآن تجعلُني لا أراني إلا شخصًا مهوسًا بها، يودُ لو أنّ أمرٓ الإحاطةِ باستخداماتِ اللغةِ كلِّها، دقيقِها وجليلِها، في متناولِ يدِه سهلًا يسيرًا، ولكن هيهات أنْ يكون ذلك لمن هو على حالي! حتى وإنْ بدا لك أنّ لغتي جيدةٌ - ولا أعني بأنّ أحدًا ربما سيرَاها أعلى مِنْ أنْ تكونُ جيدةً - فلست أراني كذلك، وهذا يكفي بأنْ لا أكون كذلك.
وانطلاقًا منْ زاويةِ الهوسِ الذي أعيشُه وأنظرُ منه وله حاليًا، قررتُ تشكيلٓ الكلماتِ منذُ البدءِ، حتى أقفُ هنا وأكفُّ عن تخصيصي الحديثٓ عن اللغةِ العربيةِ، لأُكمِلُ باقي حديثي عن الهوسِ اللغوي الذي ينتابني حاليًا، وبين الفينةِ والأخرى بشكل عام، ولا تعلم أخي القارئ كم مرة وقفت حتى أعرف موضع الكلمة لتشكيلها، وربما أخطئ في معرفة الموضع فأشكلُّها تشكيلًا خاطئًا جهلًا، وفي مواضع أخرى اعتمدت على النطق في التشكيل، ولست أثق بسلامة نطقي وقراءتي تمامًا، ولكن اعتمادي هذه الطريقة إنما هو بضع ثقة تولدّت من اندهاشي حين رأيت أخي الصغير يقرأ، ليصل إلى كلمة "إنّ" ثم يفاجئني بنطق مابعدها منصوبًا! وربما أن هذا الأمر ليس بمحل دهشة وتعجب، ولكنه كذلك بالنسبة لشخص مصاب بالهوس اللغوي، يعيش مع اللغة وتعيش هي معه، ويدرك ذلك بشكلٍ يومي أو شبه يومي.
هوس اللغة الذي أراني به أو أراه بي لا يقتصر على العربية فقط، دعني أتحدث عن بعض ما أعيشه مع اللغة، التي أراها كالكائن الحي، أتفاعل معه ويتفاعل معي، وأفهمه فيساعدني كثيرًا، لتستٓبِينٓ هذا الهوس، فالترادفُ من أهمِّ خواصِ اللغةِ بالنسبةِ لي، يساعدني على الفهم، والحفظ السريع، والاستيعاب، والاستنتاج كذلك، عند قراءتي أو دراستي لمصطلح معين، لا يهمني معرفة تعريف هذا المصطلح أكثر مما يهمني أن أحصل على مرادف له، وبمجرد حصولي على المرداف يسهل الأمر، فالتعريف قد يُحفظ ويُفهم ويُنسى. وياصاحبي لا تصدق من يقول لك بأن الفهم يغني عن الحفظ، بل أحفظ فهمك، وأفهم حفظك، وحتى وإن فعل الفهم شيئًا من دون حفظ، فإن فعله لحظيّ سريع الزوال. وكلامي هذا يدور حول المفاهيم النظرية ولا يعدوها إلى الأمور التطبيقية. إن باستطاعة المرادف أنْ يجلب لي تعريف المصطلح حتى وإن لم أقرأه في غالب الأحيان، وسأصف المرادف بالموجز البليغ، إذا ماقُورِنٓ بالتعاريف أو الشروح والتي سأصفها بالمُطنٓبٓة.
لقد تطلّٓب الأمر مني سنوات حتى أصل إلى مرادف لكلمة "ديناميكا" وأفهم ماتعنيه هذه الكلمة، وبعيدًا عن عُجمة هذا المصطلح، كان يدرّس لنا بهذه الصور "ديناميكا"، "ديناميكية"، وما أزال أذكر ذلك المصطلح المُعضِل؛ "الديناميكا الحرارية"، كان معضلة بالنسبة لي، لا لأني لم أفهم مُطنبه (تعريفه)، بل لأني لم أٓطُلْ موجزه وبليغه (مرادفه). حتى لمّا تم تدريسي هذه المصطلحات بلغتها الأم، الإنجليزية، أو ربما هي اللاتينية، لم أصل إلى الموجز البليغ (المرادف)، ففي أحدى سياقات التعليم الطبي أعتقدت بأن المرادف لكلمة ديناميكا هو "السلوك"، وفي سياقات أخرى أفترضت بأن مرادف الكلمة هو "التفاعل"، وفي سياقات الفيزياء كنت لا أجد أي معنى لهذه الكلمة، وأخيرًا أكتشف بأن مرادفها الأنسب هو "الحركة".
وكما أعتقد بأن حبي لمادة المصطلحات الطبية، بالرغم من أن معظم مصطلحاتها لاتينية أو إغريقية، وأن استمتاعي بدراستها نتج عن هذا الهوس اللغوي المغروس فيّ، والذي ينتظر السقاية والرعاية حتى ينمو ويكبر، ولكن لم أوفِهْ حقه بعد، ومازال ينتظر السقاية والرعاية "أملًا" من "أمل" بأن تُقدِم وتعمل على ذلك
لنعد للمصطلحات الطبية، أقول إن ماتقدمه هذه المادة من تحليل للكلمات وصولاً إلى معنى الكلمة الدقيق بمجرد تجزئتها دون الحاجة لحفظ تعريف هذا المصطلح إلا ماشذّ وخرج عن المعنى الناتج عن تجزيء الكلمة هو ماجعلني أحبها، لأنها كانت تقدم لي شيئًا مهمًا دائمًا مايساعدني، وكثيرًا مايفعل؛ وهو الترادف مجددًا.
أمل العنزي ـ كلية العلوم الطبية التطبيقية