"لكل أمة ملبس" فمن يكسي تراثنا الطبي بحلية متألقة؟

نبض الجامعة
28/10/2020
0
4642

​لا عجب في هذا الزمان أنَّ ما كان بالأمس في رفِّ الرفاهية والترف وزخرف الحياة أصبح من أذرع الحياة الأساسية ومفاصلها؛ بل ومن ضروريات الأمور، وقد يكون في مقدمتها. فحياتنا متلونة ومتغيرة والواقع خير شاهد.
هذا التسارع والتلون في الحياة لم يترك جانبًا منها أو يهمل أحد أطرافها؛ بل غمرها كُليًّا، وكان لتراثنا نصيب منه، وقد أصبح من ضمن أهداف الحكومات واهتماماتها، فهذه حكومتنا -وفقها الله-أنشأت هيئةً خاصة بالمتاحف، وهيئة خاصة للتراث تحت إشراف وزارة الثقافة في خطوة ستسهم في تكريس الجهود وتوحيد الطاقات. وقد فتحت وزارة الثقافة قنواتٍ؛ للتعاون والتشارك، وأقامت له البرامج تحت عنوان "شركاء وزارة الثقافة"؛ إذ ستسهم هذه الشراكة في لملمة أطرافٍ تباعدت في تراثنا بعمومه، وخبرات ستتقارب، ومعارف ستتمحص.
فمن خلال هذه البرامج أصبح لدى مؤسسات الدولة القدرة والطريق الواضح المنظم لتتشارك مع وزارة الثقافة؛ من أجل تحقيق أهدافها المرتبطة بالتراث، والاستفادة من كافة الشركاء في تحقيق الهدف.
وهذا ما جعلني ألقي نظرة خاطفة على تراثنا الطبي، فالعرب لم يكونوا أمة بمعزل عن العالم؛ بل أمة أحاطت بها الأمم والشعوب. وقد جال العرب مشارق الأرض ومغاربها؛ بل خاضوا الحروب مع هذه الأمم، وهذه الطبيعة والحياة جعلت لهم إرثاً طبياً ضخماً تبلور بتقدم زمانه.
ولكن عند بحثي عن تراثنا الطبي وجدته في سكك ضيقة ومتبعثرة هنا وهناك يقف على الاجتهاد الفردي أو التنظيم المتواضع السريع الذي لا يليق بهذا التراث الضخم. فتراثنا الطبي قبع في الكتب، والمخطوطات، وفي قراطيس متناثرة، وفي مقالات مبعثرة في الصحف والمجلات، أو قد تجد له ظلًا في المدونات أو في تغريدةٍ على موقع التواصل الاجتماعي، أو قد يكون وضع في زوايا غرف تكاد تكون مغلقة مظلمة سميت بالمتحف، لا يُعلم عنها شيء ولا تعرفها إلا فئة قليلة، كل ما تحتويه مجموعة من الأدوات يراها البعض خردًا (قرابيع)، وهي في واقعها كنز لم يوزن بميزانه؛ بل قد يتم تداول بعض أخبار هذا التراث وعلومه في مجالس الأنس وكأنها خرافات أو قصص ألف ليلة وليلة، ويستمع المستمعون ولا يعلمون أهي حقيقة أم خرافة.
جميع هذه المحاولات والمبادرات لم تحفظ تراثنا الطبي برمته وجملته لتكتمل صوره الجميلة، ولم تنِر بصيرة الأجيال، ولم تكن حلقة وصل وعقدة ربط تصل العصور مع بعضها حتى تنعقد عندها الأفهام، وتنوخ متأملة وباحثة ومفتونة بهذا الإرث الممتد خلال العصور، وتكشف لك ما خفي عنك لتعرف من أنت من خلال تراثك الذي عجزت الجبال أن تباريه بجمالها وشموخها.
وأنا هنا لا أقلل من جهد مجتهد، أو أنتقص ممن بذل وقدم حيلته ولو بكلمة أو سطر في مقال من أجل  حفظ هذا التراث، لكن هذه الاجتهادات والمبادرات لا أراها إلا  ضوء النداء، وصوته الصامت، وصراخ المستغيث.
فأين المشمرون لحفظ هذا التراث الزاهي المتباهي بتاريخه النائف؟
 أين من يزهون فوق قمم الأمواج العاتية؟ أين من يكونون قلب الرياح الكاشفة عن العلم في صفحات تاريخية، ويسخّرون له الطرق المناسبة؟
أرى أن جامعتنا هي البوابة الأولى لهذا العمل وهي الأحق، نريد متحفاً طبياً يصفصف مبعثرات تراثنا الطبي، متحفاً يكون كالمنطقة البنورامية تجتمع بها العصور المتزاحمة، وتلتقي بها الفنون والعقول النابغة، لتكشف لنا شيئًا عن هذا التراث، فتراثنا الطبي تراث كالسماء لا تجد له طرف، ولا تعرف له بداية ومنتهى تلمع به النجوم، وتسبح به الكواكب، سحبه تغامزك إن برقت و ومضت، وإن أضاءت نجومه سلبت العيون، وكواكبه في مدارها تسحر العقول، وتفتن القلوب، صنعه التاريخ فقدمه لنا.
تراث يقف بعضه على بعض متجذرًا في ذاته وتاريخه، متصل بواقعه، يتأثر بتأثره، تراث لبعضه حشرجة، فلندركه قبل تناقصه وشتات بعضه، فلبعضه لون كاد ينسى اسمه، فلنعِد إظهاره، ولنحفظ ما بقي.
نريد متحفا طبياً يخبرنا عن أطباء العرب، يخبرنا عن الحارث بن كلدة طبيب العرب كما لقب، الذي تعلم الطب وعلمه، وكان طبيبًا خاصًا بالأكابر والنبلاء والعرب.
نريد متحفاً يخرجنا من صمت الكتب والقراطيس إلى العالم الناطق والمشاهد، نريد مَن يخبرنا أنَّ عائشة -رضي الله عنها- أم المؤمنين كانت ممَّن مارس الطب؛ بل برعت فيه كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد.
نريد متحفاً يكشف الستار عن جزءٍ من اهتمامات العرب بالطب والأطباء؛ بل بمسمياتهم؛ حيث كانوا يسمون الممرضات (بالآسيات أو الأواسي).
نريد من يعرف الصحابية الجليلة رفيدة الأسلمية الأنصارية -رضي الله عنها- التي تعد أول من وضع مستشفى ميدانيًا أو عيادةً في الإسلام إن صحَّ التعبير، نصبت لها خيمة بجوار مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، لم تكن طبيبة بالصدفة؛ بل كان والدها سعد الأسلمي طبيباً.
نريد أن نعرف أنَّ الأمر ليس خبط عشواء، فقد برعوا في الاكتشافات الطبية التي لم يسبقهم إليها أحد، وكان لديهم بروتوكلات لاختيار المستشفيات (البيمارستانات)، وتدريب للأطباء قبل اعتمادهم، كان لهم أدوات وطرق يقف عليها الطب الحديث ولا يتجاوزها، كما كان لهم صيدلياتهم الخاصة التي تحظى بالرعاية.
نريد متحفا يتكلم عن التاريخ والعلم، ويقدم الطرق والأدوات التي استُخدمت في زمن طويت صفحاته، متحف كالكف تجتمع به أنامل العلم والمعرفة رغم تعددها واختلافها، متحف يخبرنا عن تراثنا الطبي الذي ليس إلا امتدادا لحقبة تاريخة طويلة، نريد متحفاً طبيا يكشف كيف أن العرب تعلمت الطب من خلال محاكاة الحيوان، أو التجربة، أو الصدفة، فالطب العربي يدل على ذكاء العرب وفطنتهم، حتى مسمياتهم للأمراض لها جذور لغوية ومعنى مقصود.
نريد مَن يخبرنا عن التطور الطبي الذي نحظى به وكيف نما وتكوَّن، فصروحنا الطبية الحالية إن كانت حديثة، ستصبح غدا تراثًا نريده أن يوثق ويدوَّن بمجده المتصاعد.
نريد أن نعرف ونوثِّق واقعنا الطبي في الزمن القريب، أطباء الملك عبد العزيز -رحمه الله- وما قالوه، وما كتبوه، وما أرَّثوه لأحفادهم من أخبار ومعلومات تمسُّ التراث الطبي، وكيف كان الطب في ذاك الزمن.  
نريد متحفاً من خلاله نعرف نوعية الأمراض وعددها في تلك الأزمنة؛ كي نفتح للباحثين أبواب البحث والتأمل.
وليس هذا مجالا للمطالب أو الحديث عن تاريخ الطب العربي والإسلامي في صفحة محدودة، ولكني آمل أن تكون هذه الكلمات باعثة على إنشاء متحف يشع منه نور العلم والمعرفة، نور تجمع شذراته الماضي والحاضر لتلتحم في مكانٍ واحد.
فمن خلال بحثي عن التراث الطبي لم أجد في المملكة إلا متاحف طبية معدودة لا تتجاوز الخمسة متاحف هي الوحيدة المتخصصة في المجال الطبي، مع العلم أنَّ عدد المتاحف الخاصة أكثر من 200 متحف لا يوجد منها متحف طبي، وعدد المتاحف العامة أكثر من 53 متحف، لا يوجد منها متحف طبي متخصص بالتراث الطبي.
نعم، هناك أدوات ومقتنيات تم توثيقها وحفظها، ولكن لا يوجد لها بريق؛ لعدم اكتمال الصورة.
 فعند زيارتي لأحد المتاحف اطلعت على مقتنيات قرية الفاو، فوجدت بها أدوات طبية دقيقة أشبه ما تكون بالإبر، تتعجب كيف صُنعت في ذلك الزمن، كما وجدت بعض الأواني والمكاييل الطبية وغيرها من الأدوات.
وفي بعض المتاحف التي زرتها وجدت بها أدوات مبعثرة وضعت في المتحف؛ لأنها قديمة وأثرية فقط، كما سقتُ الحديث مع أطباء شعبيين ومهتمين، فأخبروني أن أدواتهم في الحجامة كانت عبارة عن القرع الصغير المجفف، ثم استخدموا محاقين صنعت من الحديد.
الجميل في هذا الأمر، أنَّ لكلِّ منطقة في مملكتنا إرثًا طبيًا خاصًا بها، وأدوات خاصة بها، فأهل الشمال لهم طرقهم، وأهل الجنوب لهم طرقهم، وهكذا بقية المناطق، نعم يشتركون في كثير من الأمور لكن هناك اختلافات خلقتها بيئتهم ومصادر تعلمهم وتلقيهم.
فهذه فرصة جميلة على جامعتنا أن تقتنصها بخاصة أنها تتوافق ورؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى رفع عدد المتاحف في المملكة إلى 241 متحفاً.
إن سبقنا الغير بمبادرات مباركة موفقة فنحن أهل الاختصاص وصناعه، فجامعات العالم شرفت تراثها الطبي بمتاحف وشرفت دولها بذلك، فلنري مملكتنا متحفاً طبيًا تتباهى به كالعقد في نحر العروس. فنحن أهل الاختصاص ونحن من يلبس تراثنا الطبي الحلية المتألقة.


عبد الله بن راشد آل سليمان ـ مشرف مراقبة العمل – مركز الرياض للمحكاة السريرية.
27/10/2020 


 



 
 
 


   
Nabd Post

ارسل لنا مقال وسوف نقوم بنشرة

ودّعت الإدارة العامة للعلاقات الجامعية والإعلام اليوم الأحد الإدارة.
                                                                                                                                                        
الرياض حالة الطقس